Don't Miss

اليوم العالمي للمغترب اللبناني

في اليوم العالمي للمغترب اللبناني: الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم في الألفية الثالثة

بقلم الرئيس العالمي الياس كسّاب

في نهاية الأسبوع الثاني من شهر آذار نحتفل والمغتربين، وككل سنة، باليوم العالمي للمغترب اللبناني. وإذ نحن على مشارف هذا اليوم، الذي
أقرته الحكومة اللبنانية سنة ٢٠٠٠، وبناءً على تحرك الجالية في المكسيك، وأمام تمثال المغترب – الرمز، المشرف على مرفأ بيروت، وإزاء هذا التمثال المزروع حول العالم من قبل الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، من أمريكا اللاتينية، إلى أمريكا الشمالية، وحتى القارة الأسترالية، نقف بخشوع أمام تضحيات المهاجرين الأوائل، الذين كفكفوا دموع جداتنا وأمهاتنا بعد المجاعة، وساهموا في النهضة الاقتصادية للبنان، وألهبوا شعلة الحرية، ليس في لبنان فحسب، بل في العالم العربي أيضاً، نتيجة نهضة مهجريّةٍ أطاحت بالتتريك، وساهمت في حركات التحرر في شرقنا العزيز.

وما أن استقل لبنان، حتى اندفع مغتربوه يستثمرون فيه، فغدوا عماد الاقتصاد اللبناني، يضخون في شرايينه الحياة، ويشدون في جسده العصب.

لقد أدرك الرئيس الراحل فؤاد شهاب أهمية الاغتراب، وأن ينتظم أبناؤه في منظمةٍ تمثله، فانطلقت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم من المكسيك سنة ١٩٥٩، واستطاع، ببعد نظر، وبدعمٍ كبير لها، أن يوازن بين أمرين، لم يتعوّد اللبنانيون عليهما من قبل:

* أن تكون خلف الجامعة قوةُ الدولة، وقدراتها المعنوية، مع مساعدةٍ ماديّةٍ رمزية.

* أن تحافظ الجامعة على استقلاليتها كمنظمةٍ إغترابيةٍ، فلا سلطةٌ سياسيةٌ تسيطر عليها، فنشأت منظمةً غير حكومية، هاجسها دعم لبنان في المحافل الدولية، والدفاع عن مصالح المغتربين في لبنان، وفِي بلدان الإقامة. (إن المُراجع لكلمات وزير الخارجية فيليب تقلا في الجامعة والمغتربين يتأكد من هذه السياسة التي أرساها عهد الرئيس شهاب).

لقد أضحت الجامعة المؤسسةٓ اللبنانيةٓ الوحيدة البعيدة عن المحاصصات الطائفية، والتدخلات السياسية ( والعشائرية)، (فحين انتخب أنور الخليل، أو جو حمود، أو أنطوني أبراهام …، أو غيرهم كرؤساء عالميين للجامعة، لم يخطر ببال أحد من أعضائها أن يلتفتوا إلى الانتماء الطائفي)، كون أعضائها تأثروا بما ينعمون به من انفتاح وديمقراطية في بلدان الإقامة، وكون السياسيين اللبنانيين لم يشعروا آنذاك أن هذه المنظمة الاغترابية ستشكل رافعةً لأحد، أو تكون تهديداً لأصحاب النفوذ والسطوة على أرض الوطن.

ولما أضحى المغتربون قوّةً لا يستهان بها، جماعاتٍ وأفراداً، ووقع لبنان فريسة المؤامرة عليه، واستباحت أرجاءه الحروب والصراعات الإقليمية، كانت عين الوصاية على الاغتراب، كي تُكمّٓ الأفواه، بالترغيب حيناً، وبالترهيب أحياناً. ولما كانت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم واجهةٓ هذا الحضور الاغترابي، كان لا بد من شلِّ حركتها، فانصبّت الجهود لاستيعابها، فكانت عصّيّة، حاولوا تهميشها فلم يستطيعوا، فحاولوا إلغاءها دون طائل، لأنها مسجلةٌ حسب قوانين دول الإقامة، فكان لا بد من شرذمتها، وكان ما كان، ووُجدت مجموعة بيروت (وهي صغيرة العدد) والتي تمتعت بالدعم الرسمي في حقبة الوصاية، ومجموعة الانتشار الكبرى التي ناضلت كي تبقى مستقلةً، واستحقت أن تكون عضواً في المنظمات غير الحكومية التابعة للأمم المتحدة، واكتسبت شرعية الأرض التي هي في الاغتراب أهم بكثير من الشرعية الرسمية، لأنها ما توسلت أبداً أن تكون مؤسسةً حكومية، ولن تتوسل ذلك.

نحن نقول هذا الكلام لا لننكأ الجراح، بل لنصوب الأمور، لأن كلاماً كثيراً يُقالُ وينشر في هذه الأيام، في غالبه بعيدٌ عن الواقع، وصادرٌ عن أفرادٍ همهم الوحيد مصالحهم الشخصيّة.

وعبثاً يحاول البعض أن يرمي بالملامة علينا في موضوع انقسامٍ داخلي، نحن لم نخرج، بل أُخرِجنا، لا بل هُجِّرنا، لكن المفاجأة للجميع كانت أننا صمدنا، ولو لم نصمد لما بقيت “جامعة” يتبارى الجميع اليوم في التسابق على الدعوة لتوحيدها!

نحن، وبكل محبة، الشريحة الواسعة، ومهما حاول البعض إطلاق النعوت علينا، هذا لن يغير من واقعنا أي شيء، لا بل على العكس، يضفي على جو الحوار القائم غمامةً من الشك ليست في مصلحة تقريب القلوب وتغليب سياسة الانفتاح.

نحن مؤسسةٌ تمرّست بالديمقراطية، ومن الصعب علينا أن نذعن لسياسة المحاصصة، على الطريقة السياسية اللبنانية. وإنه لمن الإهانة لكل مغترب أن تطرح الحلول بمعزلٍ عن موافقة القاعدة لدينا، وقرار من مؤتمرنا العالمي، وإذا كان من يعتقد أنه يستطيع أن “يسوق” فريقه، فأنا على الأكيد لست من هؤلاء عقيدةً وأخلاقاً وممارسة. عهدي أن أقود هذه الجامعة بحسب ما أُعطيت من سلطات من قوانينها التي طورناها، ونستمر في تطويرها، وآخرها ما أقريناه في مؤتمر تورونتو من نيسان الماضي.

إنّ اللبنانيين، وقد أنهكتهم الصراعات، عادوا ليلتقوا من جديد، والتطورات السياسية الداخلية أفضت إلى فتح الأبواب الموصدة، وبدأت العقلانية تتغلب على العناد الأجوف.

ونحن، انطلاقاً من هذا الجو الجديد، مع العهد الجديد، نفتح صفحةً جديدةً، ونمد يداً مخلصة.

نحن نريد أن نسامح، ولكننا لن ننسى.

نريد أن نسامح على كل ما تعرضنا له طوال سنوات، من تطاولٍ وتدخلاتٍ وضغوط، وما خلفته السنوات العجاف من قهرٍ ممزوجٍ بالغضب أحياناً، وبالأسى أحياناً أخرى. نحن نريد أن نسامح من أجل لبنان الذي تهون من أجله كل التضحيات.

ولكننا لن ننسى، لكي يكون الماضي عبرةً، ولكي نعي حقيقةٓ الواقع، ولكي نطور للمستقبل جامعةً إغترابيةً مستقلةً تستمر بدورها الرائد في دنيا الاغتراب.

ولأننا لن ننسى، لن نقبل إلا أن تناقش، وبعمق، كل القرارات الرسمية المجحفة بحق الجامعة، بعيداً عن تسوياتٍ ومحاصصاتٍ شخصانية، ستبقي على عامل صراعٍ لا طائل تحته، صراعٍ لن نسمح بأن يبتزنا، وأن يجرنا كي نتلهى عن مسؤولياتنا التي ما أهملناها لحظةً أبّان الليالي السود.

إنه من واجبنا جميعاً انتهاز اللحظة الوطنية لإطلاق حوارٍ بنّاء بين فريقي الجامعة، لا لنوزع المناصب، بل للنقاش العميق، في بعده المؤسساتي التنظيمي، وفي انكبابه على تحديد رؤيا لدور الجامعة الجديد بعد العولمة.

إن هذا الحوار بين قيادات الفريقين يجب أن يواكبه توحيد الأرض، والذي إذا حصل، سيضفي على الرؤيا الجديدة للجامعة شرعيةً ديمقراطيةً، اعتاد عليها فريقنا، وغدت لديه عمليّةً طبيعيةً في انتقال السلطة وفِي ممارستها.

إن المتمعن بالنقاش الحاصل اليوم حول قانون الانتخاب، ومحاولة الجميع إعطاء جائزة ترضية للمغتربين، يدرك أن الوطن مأزوم، وأننا، سنرى أنفسنا، كمغتربين، كما كنّا في السابق العضد والسند، سنضحي قريباً عامل التوازن الوطني الذي يجب أن يرفع الغبن عن الجميع ليحل السلام.

إن الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، تستطيع، كمنظمة غير حكومية، وكمجتمع مدني إغترابي غير منحازٍ إلا للوطن، أن تلعب هذا الدور الجديد، في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجي الذي بدّلٓ التسميةٓ التقليدية للمهاجرين، فهم اليوم في قلب الحدث، فلم يعودوا “مغتربين” بالمعنى الواقعي، بل “لبنانيين عاملين في الخارج” بالمعنى المجازي للكلمة، وعليه، فبين الخمسينات، حين تأسست الجامعة، والألفية الجديدة، ولما بدأ لبنان يتعافى اليوم من الفتنة ومن صراع الآخرين على أرضه، ويتطلع إلى بناء الدولة العادلة، فإن على المتطلعين نحو توحيد الجامعة أن يضعوا نصب أعينهم، ليس ما يوزع المغانم على الطامحين بالمناصب، بل ما يبني هذه الجامعة الجديدة العصرية، بدورٍ جديدٍ عصري، لا يكون مرآةً تعكس صراعات السياسيين اللبنانيين، بل انعكاساً لتجاربهم العالمية وتمرسهم في بلاد الاغتراب.

إنها الجامعة الجديدة التي نطمح إليها، ترتكز على تاريخٍ طويلٍ من النضال الذي قمنا به في أحلك الظروف، مستقلة، ومؤهلة لأن تنقل هواجس المغتربين، وتطلعاتهم، ومطالبهم، وتناضل كي تتمكنن الإدارة اللبنانية لكي يحصل المتحدرون بسهولة على استعادة جنسياتهم، لكي يمارسوا حقوقهم التي رسمها الدستور، فهم لم يقصروا بالواجبات.

إن المغتربين اللبنانيين خسروا جنى العمر تدميراً في مدن لبنان، ولا يظنّنّٓ أحدٌ أنه يستطيع أن يؤسس لكياناتٍ إغترابيةٍ لغاياتٍ محض إستثمارية. إنّ أجيال المغتربين الجديدة أجيالٌ، بقدر ما هي حالمة ومتوثبة، بالقدر نفسه واقعية، خاصّةً في الاستثمار، فلا عواطف لدى المستثمرين من الأجيال الاغترابية الجديدة القادرة، ولقد سمعت الحكومة اللبنانية من بعض الناجحين اللبنانيين في الخارج ما يؤكد ذلك، فلا استثمار في لبنان دون تحديث القوانين، ودون أن ينال المغترب حقوقه كاملةً، وهذا ما يجب أن يكون من صلب نضال الجامعة العتيدة.

وأخيراً، وفِي اليوم العالمي للمغترب نقول: إذا كان المغتربون قد بنوا أينما حلوا “لبنانهم”، بالجهد والعرق، والعلم والمعرفة بنوه، وحافظوا على طيبته، يوم غادرتنا الطيبة، وحافظوا على أصالته، يوم خنا الأصالة، هؤلاء يستحقون أن تفيهم ذاكرتنا الوطنية حقهم.

الياس كسّاب

الرئيس العالمي

الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم