Sanabel Assinine – Book For Mr. Elias Kassab – 16 August 2010

sanabel assinine-fp

مراجعة كتاب “سنابل السنين”‏
‏للباحث والكاتب الأستاذ حميد عوّاد بمناسبة صدور كتاب “سنابل السنين” عن دار ‏ABCfacile‏ للنشر لمؤلفه ‏الأستاذ إلياس كساب رئيس المجلس القاري في الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم في أمريكا الشمالية.

يستضيفنا اليوم صديقنا العزيز الأستاذ إلياس كساب على مائدته الأدبية الشهية حول طبق متنوع النكهات ‏اللذيذة، مغذٍ للفكر وملهمٍ للقريحة و مثير لمشاعر الحنين إلى الوطن، عنوانه “سنابل السنين”.
صدّر المؤلف كتابه بإهداءٍ رقيق مليء بالعاطفة و التقدير لزوجته و شريكة حياته حنان كما شمل إبنه كميل و ‏إبنته مريام بهذه الإشارة. ثم ختمه بشكر خاص لمجمل أفراد العائلة منوهاً بعرفان جميل لإلتفاف أخوته و ‏أخواته حوله و لرعايتهم جهوده، متوّجاً الشكر بإلتماس بركة و رضى والديه.

لقد إستودع الأستاذ كساب كتابه هذا حصاداً نثرياً و شعرياً يختزن حكمة من عصارة تجارب عاناها وتأملات ‏خبرها خلال محطات من مسار حياته. صاغها من جوارح قلبه و متنها بتحليلات عقله و صهرها بحدة ذكاء و ‏مهارة جواهر نفيسة و سبائك ذهبية إنسكبت في قوالب أدبية أنيقة و بليغة، فضمن لها “عبوراً مقدساً إلى ‏روح القارئ”. ‏

لقد فتح قمقمه السحري فخرج منه مارد حكيم يطيب الإستماع إليه، و كسر قارورة عطره ففاح منها شذىً ‏منعشٌ عبقت به الأنفاس. كما فجّر ينابيع مياهه العليلة، فوافاها العطاش للإرتواء، و أشعل الألوان في أضوائه ‏فإجتذب الفراشات و رسم أقواس قزح. ‏

و لأنه موسيقار مرهف نقرَ على أوتاره ألحاناً شجيّة مطربة غنّت على إيقاعها العصافير و تآلف معها خرير ‏المياه و حفيف أوراق الحور. ‏

خواطره و قصائده تبوح بمكنونات فكره و خلجات أحاسيسه حيال قضايا و مواضيع متفرقة تتراوح بين دفء ‏العاطفة العائلية و اللهفة و الحنين إلى الوطن و عشق الطبيعة، إضافة إلى نظرته حول شؤون إجتماعية و ‏وطنية و معضلات أوسع نطاقاً.‏

في النصف الأول من “سنابل السنين” نثر كاتبنا العزيز باقات من سنابل خواطره البهية، النضرة و الناضجة ‏وبثّ نبضات أحاسيسه الصادقة، فحدثنا عن الغربة و الهجرة، الحب و المحبة، الماضي و الحاضر، الحرية و ‏العبودية… ‏

بعد لفت إنتباهنا إلى أن القيادة الأصيلة تترسخ بالتجذر في قاعدتها، تطرق إلى إيمانية و عنفوانية الإلتزام ‏الوطني فقال: ‏

‏”عِشْ عزيزاً لا تمالئ، فالقضية تستقيم مُت شهيداً للمبادئ لا ضحية للزعيم” ‏

ثم أفادنا عن ثلاثة أقانيم مترابطة: عظمة صنّاع التاريخ المحفورة في التحولات التي إشتقتها و عظمة ‏المؤرخين النابعة من أمانتهم في الإخبار عن الأحداث و عظمة القارئ في تفاعله مع ما يقرأ.
و بأسلوب شيّق صوّر لنا النضال إحتكاكاً و شحذاً مدوزنين بين السيف و القلم، و حذرنا من طامة التلوث ‏الأخطر: تلوث الفكر.
و حثنا على النقاوة في التعاطي مع الأخرين و على تفادي الإنبهار بلمعان الشكل لأنه يعمينا عن كُنْهِ ‏المضمون.
و لأنه ناشط لا يهدأ حفّزنا على المبادرة و الإقدام و عمل الخير.
‏
أما النصف الثاني من “سنابل السنين” فمرصّع بقصائد بديعة أطلق أديبنا العنان لقريحته الشعرية و مخيلته ‏الخلاقة و موسيقاه التصويرية في نظمها.
قصيدة “من أنا” بدأها بتعريف ينمّ عن أصالته:
‏
‏”في الهوى مشرقي، من جبل عنيد أغلّ في جذوري كقدري الوحيد”
‏
و يختمها بصورة الوطن و التراث المنطبعة في ذهنه أنّى توجّه، إذ يقول:
‏
‏”في الهجر و البعاد تسكنني بلادي محفورة ببالي مآثر الجدود”
‏
تحت عنوان “زمان الهجر” يعبر عن التوق الدائم إلى المنبع المتأجج بإضطراب الإبن القلق الملهوف للإرتماء ‏في أحضان امه. يقول:
‏
‏”أزرع الروح وعوداً في نهاري أحصد القلب حطاماً في منامي
يا بلادي في حنانيك إهتدائي و هنائي و هدوئي و سلامي”
من قصيدة “يا بلادي” أقتطف بيتاً بطّنه شاعرنا دعوةً لغسل القلوب، حيث قال:
‏
‏” يا بلادي طهّري القلب المجافي و إفتحي الأبواب حبّاً بالجمال”
‏
جمال الطبيعة مصدر وحي دائم و مناجاة حنونة لشاعرنا الملهم، و قصائده في هذا النطاق تصحّ للغناء. تحت ‏عنوان “أيّها الطير” أنشد:
‏
‏”و سهول الخصب تحضنها الورود و حفافي الحي تغمرها الدوالي
و ضفاف النهر ملعبها الوهاد و عيون الماء تزخر باللآلي”
‏
و لأنه فنان يعشق الموسيقى، نظم قصيدة على عزف العود و أطرب، فذكرنا بالموشحات إذ قال:
‏
‏”إحمل العود و غنّ طرباً داعَبَ الشوقُ حنينَ الوترِ
و غدا الحب أميراً ساحراً سارقَ اللحظات حُلوَ السهر”
‏
و تبلغ سمفونية الطبيعة ذروتها بحلول الربيع الذي يدخل البهجة إلى كل القلوب. لذا أشركنا شاعرنا في ‏إحتفاله بالربيع رمز التجدد فدعانا قائلاً:
‏
‏” حيّوا الربيع و شرّعوا ابوابكم للشمس، للآمال، للآهات
حيّوا الينابيع التي من صفْوِها تَهِبُ الثرى رمقاً لكل حياة
قدر الفصول السحر أنّى حُزْتَه إنّ التجدد من جنى السنوات”
‏
جودة خمرة الحب في قصائد شاعرنا تُسكر قارئها و سامعها. تحت عنوان “أسقني” نظم قائلاً:
‏
‏”أسقني من خمرة الحب العتيق كأسَكِ المملوءَ شوقاً و هياماً
إن سقينا العمر ورداً و مُداماً تنتشي اللحظات من رشفٍ رقيقِ”
‏
في قصيدة غزلية بديعة عنوانها “لمّا أضمّك” قال: ‏
‏”تتبارك الشمس على جبهتك يتنزّل الشِّعر إذا الشَّعر إنسدل يروي حكايات التشوّق و القبل و العطر ينضح ‏من مفاتن قدّك” ‏

الإيمان بالله منطبع في عدة قصائد بين إبتهال: أنت دربي، أنت حبي، أنت قلبي. و مناجاة للذات: “في ثورة‎ ‎الأيام صلّي لا تملّي”. وصولاً إلى قصيدة “يا بحر” حيث قال:‏

‏” بل وحده الإيمان يجتاز المدى و يطوّع الإعصار إن يتفاقمِ ‏‎ ‎و إعمل بهدي الله تُمنح نعمة تُغني الشباك ‏بفائض من مغنمِ” ‏

و في قصيدة “موئل المتعبين” يخبرنا أنه في ليالي الأرق المضنية وحدها الصلاة هدّأت روعه و أعانته على ‏الإغفاء من جديد، ليخلص إلى القول: ‏

‏”هو موئل المتعبين و ملجأٌ فألقوا عليه بحملكم تتصبّروا” ‏

لقد أعطى الشاعر للنقد السياسي و الإجتماعي الثاقب حيّزاً في شعره. فتحت عنوان “ما بالها الصحراء”‏‎ ‎عبّر عن قلق من تمدد التصحّر الفكري و العقائدي ثم قال: ‏

‏”خيولنا لم تَعُدْ أصيلة “الموت للموت” غدا بطولة” ‏

و إستطرد منتقداً جعل الطفولة وقوداً و الفكر طريداً و الوقت جموداً و التدمير عيداً و الدين قيوداً. في قصيدة ‏‏”سابح في بحر الظلام” حضٌّ على مغادرة الظلمة و نشدان النور و أطلق دعوة للتسامح:
‏”أيّها السابح في بحر الظلام خفّفِ الروع و بادر بالسلام……………. لا تبارح موطن الروح و سامح وحده الله ‏كفيل بالأنام” ‏

قصيدة “جئتك بيت لحم” يفتتحها بالتالي:‏
‏”يا سيدي أبحث عن مذودك، لم أجده، فلقد تغيّرت المعالم، فكهوف الأرض ملأى بالجماجم” ‏

لكنه يختمها ببشارة الأمل الناضحة من طهر براءة الطفال و توهّج ذكائهم. ‏

ختاماً لنطلق صرخة غضب مدوّية علّها توقظ الضمائر الخدرة و لنلهب الهمم منشدين هذه الأبيات من قصيدة ‏‏”ما خفّ الحنين”: ‏

‏”شهداؤنا يصطادهم جلادنا لبنان حفّار المنايا جاره إنّ التوابع للغريب تنازلوا عن ساحنا و الساح له ثوّاره يا ‏ثورة الأرز الملاحم دبّجي فوق الربوع، فوعدنا نختاره نقِّي الأديم،تأجّجي و تدجّجي بالحقّ يصدح للمدى ‏أحراره” ‏

عزيزي إلياس، مباركة باكورة كتبك في الأدب المهجري الجديد.‏
‏
حميد عوّاد
‏*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

[pdf-embedder url=”http://wlcu.world/ng/wp-content/uploads/2010/08/sanabel-assinine.pdf”]